السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

266

مفاتيح الأصول

لم يكن متواترا على أنه قد منعه أكثر الناسخ مع اتفاقهم على منع نسخ المتواتر بخبر الواحد وفي الإحكام بعد ذكر الوجه المذكور وهو ضعيف لما فيه من نسخ حكم القرآن المتواتر بخبر الواحد وهو ممتنع على ما يأتي ولأنه لا يلزم من كون الميراث مانعا عن الوصيّة للوارث إن يكون مانعا عن الوصية لغير الواو ومنها أن السنة المتواترة مفيدة للظن برفع الحكم الشرعي والأصل فيه الحجيّة بناء على المختار من أصالة حجيّة الظن فتأمل ومنها عموم مفهوم قوله تعالى إن جاءكم فاسق إلى آخره لا يقال هذا الدليل أخص من المدعى لاختصاصه بصورة كون رواة السّنة عدولا أو فيهم العدل فلا يعمّ صورة كون جميع الرواة فسّاقا لأنا نقول الأخصية هنا غير قادحة لعدم القائل بالفصل في المسألة فتأمل ومنها ما ذكره في الذريعة فقال قد اختلف كلام أصحاب الشافعي في هذه المسألة فتارة يقولون إنه لا يجوز عقلا وأخرى يقولون إنه جائز إلا أن السّمع ورد بالمنع منه وربّما قالوا إنه لم يوجد ما هذه حاله في الشرع فأما العقل فلا وجه للمنع من ذلك عند التأمل الصحيح لأنه تعالى إذا أراد أن يدلّ على الحكم فهو مخير بين أن يدلّ عليه بكتاب أو سنة مقطوع عليها لأن دلالتها لا تتغير ويجريان مجرى آيتين أو سنتين وللآخرين وجوه أيضا منها ما أشار إليه في الذريعة فقال قال أصحاب الشّافعي تارة لا يجوز عقلا من حيث يقدح في النبوة ويقتضي التغير وفي النهاية احتج الشافعي بأنه يوجب التهمة انتهى وضعف هذه الحجة في غاية الوضوح وقد أشار إليه في الكتابين ففي الأول التغير لا شبهة في ارتفاعه لأن المعجز إذا دل على صدقه لم يكن في نسخه الأحكام بسنة إلا مثله لم يكن في نسخه لها بما يؤديه من القرآن وتطرق تهمة في الأمر يمنع منه المعجزة وفي الثّاني الجواب أن النفرة لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى ومنها ما أشار إليه في النهاية فقال احتج الشافعي بأن القرآن أقوى من السنة لأن معاذا أقدمه في الحكم وأقره صلى الله عليه وآله ولأن لفظه معجز ولوجوب الطهارة من الجنابة والحيض على تاليه ومطلقا على من مسه فلا يرفع بالأضعف وضعف هذه الحجة أيضا في غاية الوضوح وقد أجاب عنها في النهاية والإحكام فقالا إن ما ذكر لا يمنع من نسخه كما لو تعارض عقل وعموم آية فإن العقل يقدم وكذا الإجماع وخبر الواحد على أن السنة الناسخة ليست منافية للقرآن بل مبنيّة ومخصصّة للأزمان ومنها ما أشار إليه في النهاية والإحكام فقالا احتج الشافعي وغيره بأن السنّة إنما وجب اتباعها بالقرآن وهو قوله تعالى ما أتاكم الرّسول فخذوه وقوله تعالى فاتبعوه فهي فرع من القرآن فلا يرجع إليه بالإبطال كما لا ينسخ القرآن والسنة بالقياس المستنبط منهما ثم أجاب عنه فقالا الجواب من ثلاثة أوجه الأول أن ذلك إنما يمنع أن لو كانت السنّة رافعة لما هي فرع عليه من القرآن وليس كذلك بل هي فرع عليه غير مرفوع بها وهو مرفوع بما ليست عليه فرعا عليه الثاني إن ما ذكروه حجة عليهم فإن القرآن قد دل على وجوب الأخذ بما يأتي به الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ووجوب اتباعه فإذا أتى بنسخ حكم الآية ولم يمتنع كان خلاف ما ذكروه الثالث أن السنّة ليست رافعة للقرآن وإنما هي رافعة لحكمه وحكمه ليس أصلا بها فإذا ارتفع ليس هو الأصل وما هو الأصل غير مرتفع ومنها ما حكاه في الذريعة والعدة والنهاية والإحكام عن القائلين بامتناع ذلك من قوله نعم وإذا بدلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر فإنه يدلّ على أن تبديل الآية إنما يكون بالآية وفيه نظر أما أولا فلما ذكره في الإحكام من أن ذلك في تبديل رسم آية بآية والنزاع إنما هو في تبديل حكم الآية وليس فيه ما يدل على تبديل حكمه بآية أخرى وأما ثانيا فلما ذكره في الإحكام أيضا من أنه تعالى أخبر أنه بدل آية مكان أخرى قالوا إنما أنت مفتر وليس في ذلك ما يدل على أن تبديل الآية لا يكون إلا بآية وذلك كما لو قال القائل لغيره إذا أكلت في السّوق سقطت عدالتك فإن ذلك لا يدلّ على أنه لا يأكل إلا في السّوق وقد أشار إلى ما ذكره في الذريعة والنهاية ففي الأول الجواب أولا هو أن الظاهر لا دلالة فيه على أنه لا يبدل الآية إلا بآية وإنما قال تعالى وإذا بدلنا الآية ولأن الخلاف في نسخ حكم الآية والظاهر يتناول نفس الآية وفي الثاني الجواب أن المبدل هو اللَّه تعالى سواء كان بالقرآن أو بالسنة والتحقيق أنه لا حجة في هذه لدلالتها على الملازمة بين التبديل وقولهم بالافتراء وليس فيها دلالة على أن النسخ إنما يكون بالآية ومنها ما حكاه في الذريعة والعدة والمعارج والنهاية والتهذيب وغيرها عن المانعين من ذلك من قوله تعالى قال الذين لا يرجون لقائنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى والتقريب ما ذكره في شرح المختصر من أنه نفي جواز التبديل عنه والنسخ تبديل فينبغي جوازه وهو المطلوب وفيه نظر أما أولا فلما ذكره في المختصر وشرحه من أنه ظاهر في الوحي وعدم تبديل لفظه بأن يضع ما لم ينزل مكان ما أنزل فلا يدل على منع تبديل الحكم وأما ثانيا فلما ذكره في الذريعة والعدة والمعارج والنهاية والتهذيب والمنية والمختصر وشرحه من أن غايته الدلالة على أنه صلى الله عليه وآله لا يبدل إلا ما يوحى من اللَّه عز وجل وهو كما يكون بالقرآن كذلك يكون بالسنة فإنها حاصلة من الوحي أيضا ومنها ما حكاه في الذريعة والعدة والنهاية والمنية عن الشافعي وغيره من أن السنة مبيّنة للقرآن والناسخ ليس مبيّنا له فالسّنة ليست ناسخة أما الأوّل فلقوله تعالى لتبيّن للنّاس ما نزل إليهم وأما الثاني فلأن النّاسخ رافع للمنسوخ والرّافع للشيء ليس مبيّنا له بل هو ضدّ له وفيه نظر أما أوّلا فلما ذكره في الذريعة والنهاية والمنية والإحكام والمعراج من منع الكبرى والمقدّمة الثانية فإن النسخ بيان لأنه يخصّ في الأزمان فهو مندرج تحت مطلق التخصيص الذي هو نوع من البيان ولا منافاة بين كونه رفعا للحكم وبيانا لانتهاء مدّته لكون الثاني لازما للأول وأما ثانيا فلما ذكره في المنية فقال بعد الإشارة إلى الإيراد